«

»

Print this مقالة

أسواق حمص القديمة.. التاريخ فيها يعانق الجغرافيا

أسواق حمص القديمة

أسواق حمص القديمة

تأتي أسواق حمص القديمة في طليعة أسواق المدن العربية والإسلامية من حيث جمالها واتساعها واحتفاظها بطابعها الأصيل، وهي تمتاز بسقوفها الاسطوانية وعقودها المقببة الضخمة التي تحمي روادها من قيظ الصيف وبرد الشتاء.
وتبدو هذه الأسواق التي تهدّم معظمها الآن للأسف بعقودها الحجرية وواجهاتها الفخمة وأقواسها الرشيقة وكأنها خارجة من عصور القرون الوسطى، وعند تلاقي سوقين أو أكثر تبرز قبة كبيرة تتوج مفرق الطرق وكأنها قبة مسجد كبير، وبين مسافة وأخرى تتدلى حزم من نور الشمس من فتحات مربعة الشكل تثقب قنطرة السوق فتنير الشارع البازلتي دون أن يتمازج النور مع الظلام فيتعايشان معا بينما يسود خارج السوق نور باهر وكل شيء في هذه الأسواق شرقي ومحلي وقديم، ففي الدكاكين الصغيرة يجلس الباعة خلف سلعهم أو تجد الصانع يشتغل تحت أنظارالمشتري وهنا تعرض مئات من المنتجات كالأقمشة الحريرية والمقصبة والجوخ والشاش والآشيات والأصواف إلى جانب أسواق السجاد الشرقي الثمين والعطور والصاغة والخضاروالتوابل، وحيث يتجول المرء في هذه الأسواق القديمة يدرك أن التاريخ في هذا المكان من العالم ليس فكرة مجردة أو بطاقة مغبرة في مكتبة مهملة، بل هو تاريخ حي يعانق الجغرافيا فتراه العينان وتتلمسه اليدان وتستنشقه الروح، وتحت قباب هذه الأسواق ولدت عام 1885م أول جمعية اقتصادية مساهمة لصنع منسوجات وطنية تضارع المنسوجات الأجنبية ودعيت هذه الجمعية بـ (الجمعية الاقتصادية لتحسين المنتوجات الحمصية) وسارت هذه الجمعية بخطوات واسعة ونجاح مرموق. حتى كادت منسوجاتها أن تضارع المنسوجات الأوروبية وتفوقها في المتانة والاتقان.

.
من البابوش إلى الطربوش:
يعتمد تنظيم أسواق حمص القديمة على نوعية البضائع، تماماً كما كان عليه الأمر في الماضي البعيد ويجد الزائر في هذه الأسواق كل ما يخطر على باله من (البابوش إلى الطربوش) كما يقول المثل الشعبي. من الثياب الجاهزة والشرقيات والنحاسيات والأقمشة وستائر النوافذ والثياب الداخلية وأغطية الرأس والفضيات والثريات إلى النراجيل والحلي الذهبية والأحذية والقباقيب والجوارب والحقائب، إلى مختلف مستلزمات الكلفة والتطريز والعطور، وكل ما يلزم البيت من صمديات وزهور صناعية وشمعدانات إلى ما لا نهاية له من هذه السلع، ولم تكن هذه الأسواق في الماضي كما تذكر مصادر التاريخ الاجتماعي للمدينة مجرد دكاكين لبيع البضائع بل كانت منتديات للتداول في قضايا الحياة اليومية وفض المشكلات وتنظيم عقود القِران وممارسة النشاطات الاجتماعية الأخرى، ولاتزال بعض هذه الأسواق تحتفظ بوظائفها الاجتماعية ولكن بصورة مختلفة عما كان يجري في العصور الماضية.

ومن أهم أسواق #حمص القديمة سوق (القوافة) أو(النوري) المجاور لباب الجامع النوري الجنوبي وعرف قديماً باسم سوق (السلحفة) نسبة لسقفه الشبيه بظهر السلحفاة الذي كان قائماً على عوارض خشبية مقببة بألواح التوتياء، وكانت تشغل محلاته التجارية الكبيرة مقاهٍ متعددة منها (الزرابلية، الفاخورة), وعرف هذا السوق باسم (القوافة) لإشغاله من قبل الحرفيين الذين كانوا يمارسون مهنة صناعة الأحذية أو(الصرامي الحمراء) كما كانت تدعى في الماضي، وأُدخلت بعض التجديدات المعمارية على طراز السوق أيام الباشا عبد الحميد الدروبي، حيث أُبدلت الأرضية المرصوفة بالكتل الحجرية الصعبة المسلك، واستعيض عنها بالبلاط الحجري المشذب الأملس، وتتصدر واجهات المحلات أقواس حجرية ذات أشكال نصف دائرية كما تتوضع على عضائدها أشكال هندسية تاجية ذات زخارف بسيطة وتحيط بالسوق من الأعلى نوافذ للتهوية والإنارة، استخدم في بنائها الحجر الأسود، وهو الحجر الذي ميَّز البناء المعماري الحمصي عبر العصور.

قصة مدينة حمص
كتاب معالم واعلام من حمص .خالد عواد الأحمد

Permanent link to this article: http://homsstory.com/%d8%a3%d8%b3%d9%88%d8%a7%d9%82-%d8%ad%d9%85%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d9%85%d8%a9/

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: