«

»

Print this مقالة

المشربيات.. طراز معماري أصيل ميّز العمارة السورية عبر العصور

المشربيات.. طراز معماري أصيل ميّز العمارة السورية عبر العصور

المشربيات.. طراز معماري أصيل ميّز العمارة السورية عبر العصور

انعكس التحديث الذي شمل المجتمع الحمصي في النصف الثاني من القرن العشرين على عناصر العمارة، فاختفت أشياء لتحل محلها أشياء أخرى فعندما دخلت إلى البيوت الإنارة الصناعية لم يعد هناك ضرورة لوجود صحن الدار الواسع الذي كان يوفر الإنارة الطبيعية لمجمل أرجاء البيت من خلال النوافذ الزجاجية المرتفعة حتى غروب الشمس كما اختفت “المشربيات”، وهي طراز معماري أصيل ميّز العمارة العربية في سوريا ومصر والعراق وبلدان المغرب العربي.

والمشربيات عبارة عن تكعيبات خشبية تُقام عادة في الطوابق العليا ومهمتها تخفيف حدة الضوء وإدخال الهواء وحجب النساء عن المارة الذين يريدون مقابلة أصحاب البيوت، فيمكن للنساء رؤية الطارق لكنه لا يراهنّ، وكان لظروف المعيشة ونمط الحياة الاجتماعية والخوف من الغرباء والفضوليين في حمص الأثر الكبير في العمارة القديمة، مما أدى لنشوء أبنية لها خصائص عديدة منها فتحات النوافذ وارتفاعها، بالإضافة إلى وضع قضبان حديدية على هذه الفتحات بشكل متصالب إن كان في الطابق الأرضي أو الطوابق العليا وأدى نشوء الحارات وتوضع المساكن المتقابلة والحاجة إلى فتح النوافذ إلى وجود نوافذ متقابلة مفتوحة فلجأ المعماريون إلى حل هذه المشكلة بوضع المشربيات الخشبية على فتحات النوافذ والشرفات والقواطع الداخلية، وأصبحت هذه العناصر الوظيفية والتزيينية في آن واحد جزءاً اساسياً من تراثنا المعماري لا تكتمل عمارة المنزل وجمالياته إلا بها.

*مشربيات قصر الحير الشرقي
بالعودة إلى تاريخ المشربيات وتطور استخدامها في حمص تذكر المصادر التاريخية أن أول استخدام للشرفات البارزة في التراث المعماري العربي كان في حمص وبالتحديد على بوابة قصر الحير الشرقي الذي بناه الخليفة هشام بن عبد الملك في قلب البادية السورية بالقرب من مدينة تدمر الأثرية سنة 729 هـ، وهذا ما أكده المستشرق (كيزول) الذي عثر على أمثلة عديدة لوجود المشربيات في سوريا تلك المرحلة (كتاب الفنون الإسلامية، تأليف م . س ديماند ، ترجمة أحمد محمد عيسى الناشر دار المعارف القاهرة/دون تاريخ)
وانتقلت المشربيات فيما بعد عن طريق الصليبيين وأصبحت المشربيات المعمارية التي تُبنى على صف من الدعائم ظاهرة أنيقة جداً في القصور الفرنسية والإنجليزية في القرن الرابع عشر، كما اقتبس الصليبيون فكرة المشربيات في العمارة الحربية في أوروبا من الحصون الشامية في ذلك العصر وتطورت المشربيات في البلدان العربية عبر التاريخ فأخذت أشكالاً كثيرة واستمر البناؤون المهرة بإيجاد أشكال ورسوم جديدة وباستمرار هذا التطور ظهرت أشكال أخرى للمشربيات ذات الكواسر الشمسية الصغيرة التي تحدد مجرى التيارات الهوائية والأشكال الموشورية.

وفي العصر الحديث أصبحت للمشربيات وظائف عديدة غيروظيفة التهوية والإضاءة كاستعمالها في أعمال الزينة والديكور أو استخدامها كقواطع داخلية ضمن الفراغات المفتوحة ذات الاستعمالات المتعددة، كما تطورت مواد صنع المشربيات حسب توفر هذه المواد من الخشب إلى البلاستيك ثم الألمنيوم.

وتتألف المشربية التقليدية من مجموعة قضبان خشبية بشكل هندسي معين ومثبتة على شبكة من القضبان الخشبية الأخرى المصفوفة بترتيب هندسي نغاير لترتيب الشبكة الأولى، ويعتمد تصميم المشربية على مبدأ توزيع القوى بشكل مثلث بحيث يكون توزع هذه القوى بشكل شبكي إن صح التعبير وذلك حسب شكل المشربية.

ويسمح تصميم المشربية المتصالب في الاتجاهات الطولية والعرضية والقطرية للواقف وراءها أن يرى ما هو خارج هذا الستار دون أن يُرى، وتنحصر وظيفتها في عدم كشف ما بداخل الغرفة (النساء وجو البيت الداخلي) إلى جانب تغيير جو الغرفة صيفاً وتلطيفه عموماً.

*صنّاع المشربية في حمص
كان للمشربيات في حمص صناعها المهرة الذين يتوارثون هذه المهنة أباً عن جد ويقوم هؤلاء الصناع بتصميم الرسم الخاص بالمشربية وقص القضبان حسب المقاسات المطلوبة ووضع شبكة من القضبان السفلية بالشكل المطلوب والأجزاء التي يلزم تثبيتها ثم وضع الشبكة العلوية وهي الأمامية وتكون إطلالتها على الوسط الخارجي، وتُثبت الشبكتان العلوية والسفلية بواسطة مسامير الدبوس، وفي بعض الأحيان إذا كانت مساحة المشربية كبيرة نسبياً يُوضع لها بعض الغراء لتأمين الالتصاق الجيد الذي يدعم المسامير. وتثبت المشربية على إطار خارجي وتكون أبعاد هذا الإطار مساوية لأبعاد فتحة النافذة، حيث تُركب بعدها في مكانها وتجري عملية الطلاء لحمايتها من الظروف الخارجية والعوامل الجوية، أما الإطار فيصنع من أربعة عوارض خشبية تثبت على بعضها البعض، ورغم أن هذه المشربيات لم تكن أكثر من واجهات خشبية تحجب من هم داخل المنزل والشرفة تحديداً عمن هم خارجه –كما ذكرنا– إلا أن اهتمام الحرفي الحمصي بزخرفتها والتفنن في تصميم أشكالها الهندسية البديعة لم يقل عن إبداعه في صناعة التحف الفنية الأخرى معمارية كانت أم تطبيقية.

ورغم طغيان أنواع عديدة من القواطع والنوافذ و”الأبجورات البلاستيكية” والمعدنية لا تزال نماذج من المشربيات القديمة باقية في الأحياء والأزقة العتيقة تقاوم غبار الإهمال والنسيان وتعيش غربة قاتلة أمام صروح الطوابق الزجاجية المتعددة والواجهات المتماثلة الولهى بالأنماط الغربية الهجينة في العمارة.

 

قصة مدينة حمص

خالد عواد الأحمد

 

https://facebook.com/homscitystory

Permanent link to this article: http://homsstory.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b7%d8%b1%d8%a7%d8%b2-%d9%85%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%a3%d8%b5%d9%8a%d9%84/

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: