«

»

Print this مقالة

حمصيات عتيقة ..لكَن الغسيل

حمصيات عتيقة ..لكَن الغسيل

حمصيات عتيقة ..لكَن الغسيل

قبل دخول الغسالات الأتوماتيك منازلنا ، وأيضاً قبل الغسالات الكهربائية ، كانت ربات البيوت يغسلن الثياب بأيديهن ، وكان يوم الغسيل يوماً مشهوداً ، تتفرغ فيه الأم وبناتها وكناتها لتلك العملية ، فتسخين الماء يتم بطناجر النحاس على بابور الكاز وربما موقدة الحطب ـ فتلك موجودة في كل منزل ـ والثياب التي بحاجة إلى غلي ، يتم غليها بواسطة برميل صغير ، أو ما شابه ، أما عملية الغسيل اليدوية فكانت بواسطة طبق نحاسي مستدير يدعونه (لكَن) بتشديد الكاف تلفظ الجيم باللهجة المصرية .
في ذاك الزمن الغابر الهادىء الذي هو ما قبل منتصف القرن الماضي ، كان الناس يعيشون بساطة الأشياء ، فلا هَمْ ولا غم ، فالحياة سهلة ليس فيها الكثير من المتطلبات ، ويكفي تدبير ثمن الخبز ، وبعض الإدام ـ أي ما يؤكل مع الخبز ـ بالإضافة إلى الحاجيات القليلة ، فلا فواتير ماء أو كهرباء أو هاتف إلا بالحدود الدنيا لمن كان يمتلك في بيته مثل أو بعض ذاك الترف الذي لم يكن يشكل ضرورة كبيرة.
وأيضاً لم تكن معرفة القراءة والكتابة بالأمر الشائع ، فإن وصلت رسالة إلى أحد ، فلربما يوجد في الحي شخص يستطيع فك طلاسم حروفها يلجؤون إليه ليؤدي تلك الخدمة .
قصدت أم مصطفى جارها معلم الكتاب أبا خليل ، وقالت له : يا جارنا أبو خليل ، متعودين على إحسانك . الله يوفقك بدي إبعت مكتوب لمخدومك مصطفى ، كانت تلك عبارات الأدب التي تصدر في حالة طلب خدمة من أحد .
تناول أبو خليل الريشة ، وغمسها في المحبرة ، وبدأ بالكتابة على الورقة ما يعادل ثلاثة أو أربعة أسطر من محفوظاته ، تلك هي الديباجة أو المقدمة التي لابد منها في بداية كل رسالة .
ـ نعم يا أم مصطفى ، ماذا تريدين أن تقولي لمصطفى في المكتوب ؟
فذكرت بعض الأشياء ، وكان ابنها هذا يعمل في إحدى المدن السورية .
وتابعت أم مصطفى : أكتب يا أبا خليل لمصطفى أن يبعث لي مصاري لأشتري ” لكَن” للغسيل، وهنا أسقط في يد شيخ الكتاب ، وحار في كيفية كتابة هذا اللكَن ، فإن كتبها بالكاف فسوف تقرأ لكن، وهي حرف مشبه بالفعل من أخوات إن ، وإن كتبها بالقاف فسوف تقرأ لقن ، وهذا ما لا معنى له، فقال لها: يا أم مصطفى ، سوف أعيرك لكَن الغسيل الذي عندنا ، وعندما يعود ابنك من السفر اطلبي منه أن يشتريه لك، فبدأت أم مصطفى بالدعاء لأبي خليل، ثم تابعت: أكتب له: جارنا أبو خليل الله يوفقه عارني لكَن الغسيل ، وعندما ترجع بالسلامة أريد منك أن تشتري لي لكَن جديد، لأني والله أتعب كثيراً من الغسيل من دون لكَن …وهنا ثارت ثائرة شيخ الكتاب وقال لها : أنا ضْرْبت على قلبي وأعرتك لكَن الغسيل لأتخلص من كتابته ، فتطلبي مني أن أكتبه لك ثلاث مرات بدل المرة الواحدة ؟!
وكم كانت المفاجأة مدهشة لأم مصطفى بأبي خليل شيخ الكتاب الذي يكتب كل شيءٍ ، ويتحاشى كتابة اللكَن ، مع أنه كتب لها أشياء أكبر حجماً من اللكَن وأكثر أهمية منه ، بما في ذلك الحجابات بأنواعها ، ولم تعرف أم مصطفى أن أبا العلاء المعري الذي تفاخر بأنه سيأتي بما لم يأت به الأوائل، قد أعجزه غلام صغير حين تحداه في أن يأتي بحرف واحد زيادة عن الأحرف الثماني والعشرين التي أتى بها الأوائل .. فأسقط في يد أبي العلاء رحمه الله .
ترى ألم تكن أم مصطفى رحمها الله هي وبنات جيلها من جداتنا وأمهاتهن أكثر سعادة وراحة بال من نساء هذا العصر، بالرغم من أنهن أي القدامى كن يقضين يومهن كاملاً وراء اللكَن من أجل الغسيل، وسيدات هذه الأيام يقمن بمعظم أعمال المنزل بكبسة زر؟ ومع ذلك لا يكففن عن النقيق؟ وهذا ينطبق علينا نحن الرجال، فنحن أيضاً لا نكف عن الشكوى والتذمر.
ترى هل الخلل من الزمن، أم من أهله ..
سبحان العليم .

قصة مدينة حمص
بقلم . معتصم دالاتي

Permanent link to this article: http://homsstory.com/%d8%ad%d9%85%d8%b5%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b9%d8%aa%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d9%84%d9%83%d9%8e%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b3%d9%8a%d9%84/

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: