«

»

Print this مقالة

عندما يحلف الحماصنة

حمص

للحماصنة أسلوب في حلف اليمين ويسمونه “الحُلفان” بالضم وهم كما تعرفون يحبّون الضم. وعندما يحدثك أحدهم يتخلل حديثه تكرار مفردة “بالصدق” فهو يرغب في أن تصدّقه من دون حُلفان، إذ أن #الحماصنة يتحرجون من حلف اليمين، بل ويفضّل بعضهم أن يعاف ما له في ذمة آخر، على أن يتذمم، أي يضطر إلى حلف اليمين.

عندما كنا أطفالاً كنا نُدهش من طرائق حُلفان قريباتنا وجاراتنا عندما كان الحديث يدور بينهن. فتعبير من “دون يمين” أو “مالك عليي يمين” يتخلل مرات ومرات حديثهن. وهذا من باب رفع الكلفة، أي أنهن لا يتحرجّن من قول الحقيقة صراحة. لكننا نحن الأطفال ما كنا لنصدّق معظم ما يقال، لأننا كما يقول المصريون كنا نعرف “البير وغطاه”، ولأننا موجودون دائماً بين ظهرانيهن، ونساؤنا لا يتحرجن من الصبيان الصغار “الذين لا يفهمون” إلخ..

غير أنه عندما كانت إحدى نساء الحي ترسلننا لقضاء غرض، وطبعاً في الحارة تستطيع أي امرأة أن ترسل أي ولد تشاهده في أية مهمة، وإذا لم تكن تعرفه كان يكفي أن تناديه يا ولد يا ولد “انتي ابن مين؟” وبعد أن تعرف أهله واسمه تكلّفه بالمهمة مضيفة جملة “قول بعلامة كذا وكذا” كي يصدّقه المرسل إليه. وكان الولد يستجيب من باب الفضول من جهة، وحب قضاء الحاجات طمعاً بـ”الحلوان” من جهة أخرى.

عموماً كان الكبار يصدقون الأولاد في حالات توصيل المهمات، ومعها الأخبار، بالتكليف أو نقلها بالنميمة المدبّرة. أما عندما يكون الأمر جدياً فعلى الطفل أن يحلف يميناً صحيحة “والله العظيم”، ومع ذلك فاليمين ما كان يُنجي من العقوبة، في بعض الحالات، إذ كان الكبار يبدون مقتنعين أن الولد يكذب – حتى لو كان صادقاً، وهذا ما جعلنا نتعلم أن الحقائق ليست دائماً سهلة التصديق.

أما حلفان النساء بصددنا فكان مدهشاً بحق، إذ عندما كان الواحد منا يعمل “عملة” كان تهديد الأم أو الأخت الكبرى أو العمة أو الخالة، بإعلام الأب عندما يرجع إلى البيت، مؤكداً بحلف “يمين بعظيم”، وإذا كانت المسألة أدهى أي عندما “يجن جناننا” من الطيش، أي اللعب، يصبح الحلفان معقداً “وكَسر الهاء” “وعَقد اليمين” وأحياناً الاثنتين معاً، وهذا اليمين كان يربكنا استيعابه, وكنا نطالب بتفسير فلا يرددنّ علينا.

فيما بعد، في المرحلة الإعدادية – كان اسمها المتوسطة- عندما شرح لنا المدرس “واو القسم” وحالات البناء على الكسر، حُلّت عقدة ذلك اليمين وفهمنا، حينها، لم كانت النسوة عاجزات عن التفسير فهن لم يتعرضن لمحنة عدم الحفظ مع المعلم، فما القول في ورطتنا مع المدرس الذي كان ينظر إلينا شذراً عندما نتلكأ في الجواب، أما الذي لا يجيب “فالشرشحة قادمة لا محال”.

بعدما سارت بنا الأيام سيرتها، ووعينا، على حد قول أولئك الكبار الذين بذلوا على رعايتنا جهد قدرتهم، غدا من اليسير فهم تورّع الحماصنة عن التورط في “حلف الأيامين” وابتداعهم تعبيرات تؤدي الغرض من دون الوقوع في المحذور.

في أيامنا هذه لم يعد مطلوباً من أحد أن يحلف على صحة أقواله، مهما كان الحال، ولا حتى في تلك التحقيقات “اللي بعلمكن منها” فالمسألة صار فيها وما فيها، وما عاد الصدق يمارس إلا في أضيق الأحوال تحسّباً. وفي علمكم أن الحماصنة يحسبون حساباً “لقدام” على الدوام. وإذا ما سألت لماذا؟ جاءك الجواب “نحناَ الحماصنة هيك”.

بقلم: حسن الصفدي

 

قصة مدينة حمص

Permanent link to this article: http://homsstory.com/%d8%b9%d9%86%d8%af%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d8%ad%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%a7%d8%b5%d9%86%d8%a9/

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: