«

»

Print this مقالة

يا حمص ! يا بلدي !

يا حمص ! يا بلدي !

يا حمص !
يا بلدي !
يا مثوى آبائي وأجدادي !
حجارتك الصلبة قدت مبادئي،
ماؤك العذب أنبت عواطفي،
ريحك العاصفة نسجت جنوني،
أغصانك المياسة ألهمتني حناني.
يا حمص !
يا بلدي !
يا مثوى آبائي وأجدادي.

 

يا حمص!
شعراؤك لم يرتضوا عنك بديلاً،
ديك الجن لازم ميماسك ليل نهار،
فكأنه شجرة من اشجاره
***
نسيب عريضة مات في غربته،
وأوصى أن تنقل رفاته إليك،
وأن يكون قبره من حجارتك السود
ولكن وصيته لم ينفذها أهل حمص-واحسرتاه-
مالعمل يا نسيب اذا كان اكثر رجال بلدك قد أصابهم الخور ؟
مالعمل يا نسي اذا كان اكثر نساء بلدك قد أصابهن الوهن؟
ولذلك فهم منذ اثنتين وخمسين سنة عاجزون عن اعادتك الى بلدك.
***
عبد الباسط الصوفي أراد العودة إليك،
فلما لم يستطع ذلك وهو حي، انتحر، فعاد إليك وهو ميت .
وصفي القرنفلي عرف كيف أنكرت حمص نسيباً فآثر بقاءه في بلده.
بل زاد على ذلك فلزم فراش مرضه سنين حتى انتهى ودفن في أرضه .
***

النشيد الخامس
(وصيتي)
أما أنا فلست بشاعر:
كنت أقرزم أبياتا حينا. وأسجل ما تمليه عليّ مصائبي حينا، ومع ذلك، فأنا أرجوك يا حمص ألا تبخلي علي بقبر كما بخلت على نسيب،
فغذا بخلت علي –وما أظن-
وإذا انا مت في غربتي،
فثقي أن عظامي ستزحف إليك زحفا من الدحداح 
وستشق الارض والجبال شقا
لتتوارى تحت أحجارك السود، وهي تردد :
سأودع في أحجارك السود أعظمي
فلا يك -مثل الناس- صخرك قاسيا

***

النشيد السادس
(زيارتان سنويتان إلى حمص)
يا حمص!
يا بلدي!
يا مثوى آبائي وأجدادي!
لقد انتزعوني من جنتي انتزاعا وشردوني،
وأنا منذ أربعين عاما أعيش بعيد الجسد عنك، قريب الروح منك،
أزورك كل عام مرتين:
في ربيعك الاخضر، وفي خريفك الاصفر
أقبل في كل زيارة أحجارك الكريمة، وأدغدغ خاشعا ترابك الغالي،
فغذا دخلت ما بقي لي من دار أبي صرخت وسمعت الجدران تصرخ معي:
قلت يوما لدار يوم تفانوا     أين سكانك العزاز علينا ؟
فأجابت: هنا اقاموا قليلا     ثم راحوا، ولست أعلم أينا؟
أما أنا فأعلم:
لقد راحوا ليعمروا القبور بعد ان عمروا لادور، وتركوا لي هذه الغرفة ولسوف أسكنها أياما ثم اروح كما راحوا.

***
النشيد السابع
(نقد ورد)
يا حمص!
واسمع الناس كلما زرتك يتغامزون ويتهامسون: مجنون.
يترك اهله وولده وراحته في دمشق، ليعيش وحيدا في (قصر يلدز )
وقد جاوز الثمانين
ويخدع نفسه فيقول :
وحسبي من الدنيا كفاف وغرفة
تضم -على ضيق- كتابا ودفترا
إذا سمع الانسان صوت ضميره
تواضع فاستعلى، وأغضى فأبصار
يا ويحهم!
لو أحبوك كما أحببتك لفهموني وعذروني:
أهل حمص كلهم اهلي، أولادها كلهم اولادي، وجودي فيها راحتي وسعادتي.

***

النشيد الثامن
(من ذاكرة الايام)

يا حمص!
يا بلدي!
تعالي أذكرك ببعض ايام شبابي في رحابك:
كنت كل مساء أحمل زادي، وأمضي الى الوعر،
أجلس على ضفة ساقية الخبايا -وقيل الحيايا- حينا،
وأقف أتأمل وادي العاصي الأخضر حينا،
أرى أشجاره تترنح، وأرى حقوله تتموج.
ومن وراء الوادي ينتصب مسجد خالد بن الوليد شامخا،
وخالد يشهر سيفه ويذكرنا بماضينا المجيد 
ويدعونا الى مجد جديد.
وحول المسجد تترامى البيوت،
وأتصور أني أجد بينها بيتي،
وقد أترعته أمي حبا وطهرا، وأترعه أبي إيمانا وتقوى،
وابقى في الوعر حتى ارتعش رعشة البرد لا الخوف،
آكل زادي وأعب ماء الساقية،
وأناجي القمر،
أصحبه من ساعة طلوعه الى ساعة غروبه،
أسأله: الست صديقك الحميم؟
واسمعه يجيب: (عفوا فليس لي صديق،
(في مطلع حياتي كان لي أصدقاء كثيرون،
(فلما رحلوا جميعا وخلفوني وحيدا،
(قررت أن لا يكون لي صديق، خشية أن أفجع به، كما فجعت بمن قبله)
وأغض طرفي وأمسح جرحي واصيح:
-واحسرتاه- حتى القمر ليس له صديق.

.

قصة مدينة حمص

كتاب نجوى حمص . عبد المعين الملوحي

Permanent link to this article: http://homsstory.com/%d9%8a%d8%a7-%d8%ad%d9%85%d8%b5-%d9%8a%d8%a7-%d8%a8%d9%84%d8%af%d9%8a/

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: