Tag Archive: حَمّام الصَفا

حَمّام الصَفا .. وذكريات الزمن الجميل

حمام الصفا

يعتبر حمام الصفا من أشهر حمّامات السوق بحمص قديما كونه يقع بالزاوية المقابلة ( لفندق قصر الحمراء سابقا )أول طريق حماه وقد أرّخ محمد خالد الأتاسي لبناء حمام الصفا بعدة أبيات من الشعر على ما كان شائعاً في ذلك العصر بحساب أرقام الحروف بعد إسقاط ألفات الوصل :

لسان حال هذا الحمام كم
ربي كما طهرت جسم داخلي

طهر فؤاده بتاريخ الصفا
تشدو لينجلي صدا القلوب

من الأذى بمائي المسكوب
من دنس الذنوب والعيوب

ويكون حساب التاريخ كما يلي: الصفا: 201، من: 90، دنس 114، الذنوب: 788، والعيوب: 124، مجموعها 1317 للهجرة” (1901م).

ولن نجد أجمل من رحلة داخل حمام الصَفا كما وصفها الأديب رضا صافي في مذكّراته ( على جناح الذكرى )

ويحين وقت الظُهر فيتحرّك الموكب , طليعته الأولاد يحمل كل منهم مايستطيعه , ومن ورائهم النسوان يحملن مايثقل على الصغار . الاّ أن تكون (ست الدار ) من اللآّئي قيل فيهن :
أحمد آغا قُدّامــك
يحملّك بقجة حمّامك
حمّامك ورا القلعـة
وخُدّامك ستي سبعة
فعندها يكون للموكب مظهر آخر تستطيع أن تتخيّله . ونبلغ الحمّــــام ( #حمّام الصفا)
ونجتاز دهليزه حتى ندخل بهوه الأول – البرّاني – فترحّب بنامعلّمته المتربّعة على سدّتها تقرقر بالنرجيلة وتنادي الناطورة أم حسين لتهيّء مكاناً لائقاً بجيرانها بيت الشيخ وتقبل هذه باسمة نشيطة تؤهل وتسهّل وتأخذ من النسوة ما يحملن من زوّادة فتضعه بجانب البحرة التي تتوسط البهو وتقشط في قشرة الجبسة علامة خاصّة وترشقها في مائها ,وترْتد إلينا نحن الأولاد تخففنا مما يُثقل رؤوسنا وأكتافنا وتقودنا جميعاً إلى واحد من الإيوانات الأربعة التي تشغل جوانب البهو وتضع البُقَج على أريكة من أرائكه ( تفضّلو بَدّْلو تيابكن ولاتواخذونا الحمّام اليوم مزحم شْوَي ) وتنسحب لتلبّي نداء المعلّمة فقد جاءها جيران آخرون .
ويقف الصغير يُجيل بصره في تلك الإيوانات المزدحمة بالنساء يعجب بأرائكها المجلّلة بأغطية من الملاءات الحريرية تعلوها اللحاّشات تلك الوسائد الكبيرة ذات الوجوه المخمليّة المطرّزة بوشْي نافر من الصرمة المحبوكة بخيوط القصب الذهبية .
ويَرى النسوة يلتففن بِفُوَط حريرية منها البسيط ومنها ما وُشِّي بخيوط القصب باعتدال أو إسراف ويلفت نظره امرأة شابّة عليها فوطة طَغى وشْيَها على نسيجها حتى ما يظهر منه إلاّ حواشيه فيلتفت إلى إمّه فيرى فوطتها بسيطة فيسألها لماذا لاتلبس هي مثل تلك الفوطة الحلوة ؟ فتضحك له ( هي عروس يا بعدي ) وتبشره أن عروسته سوف تلبس مثلها إن شاء الله .
ويتركها والعَمّات تلبّسان البنات ( شلحات الحمّام) وهي قمصان حُمر تُجاوِز الرُكَب ولا أكمام لها , وينصرف إلى( البحرة ) يتأمّلها فيعجبه منظر أُصًص الزريعة المصفوفة على حوافيها وتروقه – نافورتها- تقذف الماء حزمة متماسكة مندفعة صعداً كأنّها تحاول بلوغ القبّة العالية المعقودة فوقها , لتقبّل ألواح الزجاج الملوّنة التي تكسو نوافذها , ولكنها لاتلبث أن تنثني ويرتدّ الماء إلى البُركَة رذاذاً يداعب ( الجبسات ) السابحة فيها ثم يفيض على جوانبها يغسل ثوبها الأنيق من الرخام المجزع .
وتقوده الأم وتنحدر به إلى البهو الثاني – الوسطاني – وهو أصغر من الأول عارٍ إلاّ من مقاعد خشبية عارية أيضاً وفيه يبدّل النسوة فوطهن الحريرية بفوط أخرى قطنيّة بسيطة – وزرات – ونُقبِل على باب البهو الثالث – الجُوّاني – نفتحه فيُفاجئنا هواؤه الساخن وندخل فما نكاد نتبين ماحولنا لما ينعقد في سمائه من بُخار كأنّه ضباب كثيف ولِضآلة النور الذي يتسلّل إليه من قطع مستديرة من زجاج سميك مزروعة في سمائه تسمّى ( جامات) على أن آذاننا تمتلىْ بضجيج النسوان وبكاء الأطفال ورنين اصطدام الطاسات بالأجران , فاذا ما ألِفْنا الجو وأمكنت الرؤية انجلى المنظر على إيوان فيه عدّة أجران , أمامه فسحة يُحذّرنا الأهل من أن ندوسها حتى لاتحترق أقدامنا بحرارة بلاطها فان تحتها ( بيت النار) وعلى الجوانب ( مقاصير) يسدل على أبوابها غالباً أستار من الوزرات , فهي غرف مستقلة .
وندخل ( مقصورة) فنجد فيها جُرناً بجانب أحد جدرانها فوقه أنبوبان من خشب صلْب يمدّانه بالماء بارداً وساخناً لكل منهما سدادة من خشب أيضاً تشبه الخنصر فتسمى( الأصبع) وإن كانت الايمة تسميّها بيُّور بتشديد الياء مضمومة .
وينزع النسوة السدادتين ليتدفّق الماء إلى الجُرن وينثرن عدّة الإغتسال من ( الطشت) ويبدأن فينقعن ( الترابة والبيلون) في طاسين ويشرَعْنَ يغسلنَ الأولاد يفركن الوسخ عن أجسادهم بالكيس وينظفنها بالليفة المشبعة برغوة الصابون ويغسلن رؤوسهم ويرجلن شعورهن ثم ينصرفن لشأنهن ( يتكيّسن ويتليّفن) فتتاح للأولاد فرصة اللعب و( الشيطنة ) والتراشق بالماء ومنهم من يخرجون من ( المقاصير) فيملؤون الحمّام بصخبهم وضجيجهم ويزعجن المستحمّات في الإيوان حين تقضي ألعابهم أن يختبئوا بينهن وَيُغضِبون العجائز إذ يعبثون بكُتَل عجينة( الحنّة ) الحنّاء التي ألصقَتْها بالجدران لتتخمّر فيُخَضّبن بها شعورهن ليستر الخضاب مافضح الشيب من أعمارهن , حتى تأتي الإيمة تسدّ صنابير الماء معلنة إن وقت تناول الطعام قد حان فيعمد النسوة إلى عصر – وزراتهن – وشدّها على أوساطهن وندفعن إلى – الوسطاني – على أن بعضاً منهن لايَرَيْن ضرورة التستّر التام مادام الحمّام خالياً من الرجال , فلا يعنين كثيراً بمآزرهن وقد ينزاح طرف مئزر أو يسقط فما يبالينه . وآه آه من بعض هؤلاء .
وتُفْرَد المَزاوِد وتتبادل الأسر المتعارفة بعض الطعام والفاكهة وليس نادراً أن تدخل إحدى الناطورات حاملة سلّة من( الصفيحة) أو صينية من ( الكُبَّة ) أو ما هو بسبيل ذلك وتنادي (فلانة خانم ) فتدفعها إليها وتسألها عن موعد خروجها من الحمام فإن ( أحمد آغا ) يريد أن يعرف ذلك ( ليحضر العربة ) في الوقت المناسب .
ويَفرغ المستحمّات من تناول الطعام وَيَعُدْن إلى ( الجوّاني ) تاركات وراءهن فضلات من الطعام على المقاعد وأكواماً من قشور البقول والفاكهة تغمر الأرض , وطبيعي أن يكون تنظيف البهو مما فيه من – خير وشر – من نصيــــب ( الناطورات)

إعداد . نضال الشبعان
المصادر :
كتاب #حمص:درة مدن الشام-فيصل شيخاني-ص 151-152.
كتاب على جناح الذكرى/ رضا صافي / 1982 ج1
موقع آل الأتاسي

#قصة_حمص

https://facebook.com/homscitystory

Permanent link to this article: http://homsstory.com/%d8%ad%d9%8e%d9%85%d9%91%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8e%d9%81%d8%a7-%d9%88%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d9%8a%d9%84/